ابن أبي أصيبعة

604

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

من سيف الدولة من جملة ما ينعم به عليه سوى أربعة دراهم فضة في اليوم يخرجها فيما يحتاجه من ضروري عيشه ولم يكن معتنيا بهيئة ولا منزل ولا مكسب ويذكر أنه كان يتغذى بماء قلوب الحملان مع الخمر الريحاني فقط ويذكر أنه كان في أول أمره قاضيا فلما شعر بالمعارف نبذ ذلك وأقبل بكليته على تعملها ولم يسكن إلى نحو من أمور الدنيا البتة ويذكر أنه كان يخرج إلى الحراس بالليل من منزله يستضيء بمصابيحهم فيما يقرؤه وكان في علم صناعة الموسيقى وعملها قد وصل إلى غاياتها وأتقنها إتقانا لا مزيد عليه ويذكر أنه صنع آلة غريبة يستمع منها ألحانا بديعة يحرك بها الانفعالات ويذكر أن سبب قراءته الحكمة أن رجلا أودع عنده جملة من كتب أرسطوطاليس فاتفق أن نظر فيها فوافقت منه قبولا وتحرك إلى قراءتها ولم يزل إلى أن أتقن فهمها وصار فيلسوفا بالحقيقة ونقلت من كلام لأبي نصر الفارابي في معنى اسم الفلسفة قال اسم الفلسفة يوناني وهو دخيل في العربية وهو على مذهب لسانهم فيلسوفا ومعناه إيثار الحكمة وهو في لسانهم مركب من فيلا ومن سوفيا ففيلا الإيثار وسوفيا الحكمة والفيلسوف مشتق من الفلسفة وهو على مذهب لسانهم فيلسوفوس فإن هذا التغيير هو تغيير كثير من الاشتقاقات عندهم ومعناه المؤثر للحكمة والمؤثر للحكمة عندهم هو الذي يجعل الوكد من حياته وغرضه من عمره الحكمة وحكى أبو نصر الفارابي في ظهور الفلسفة ما هذا نصه قال إن أمر الفلسفة اشتهر في أيام ملوك اليونانيين وبعد وفاة أرسطوطاليس بالإسكندرية إلى آخر أيام المرأة وأنه لما توفي بقي التعليم بحاله فيها إلى أن ملك ثلاثة عشر ملكا وتوالى في مدة ملكهم من معلمي الفلسفة اثنا عشر معلما أحدهم المعروف بأندرونيقوس وكان آخر هؤلاء الملوك المرأة فغلبها أوغسطس الملك من أهل رومية وقتلها واستحوذ على الملك فلما استقر له نظر في خزائن الكتب وصنعها فوجد فيها نسخا لكتب أرسطوطاليس قد نسخت في أيامه وأيام ثاوفرسطس ووجد المعلمين والفلاسفة قد عملوا كتبا في المعاني التي عمل فيها أرسطو فأمر أن تنسخ تلك الكتب التي كانت نسخت في أيام أرسطو وتلاميذه وأن يكون التعليم منها وأن ينصرف عن الباقي وحكم أندرونيقوس في تدبير ذلك وأمره أن ينسخ نسخا يحملها معه إلى رومية ونسخا يبقيها في موضع التعليم بالإسكندرية وأمره أن يستخلف معلما يقوم مقامه بالإسكندرية ويسير معه إلى رومية فصار التعليم في موضعين وجرى الأمر على ذلك إلى أن جاءت النصرانية فبطل التعليم من رومية وبقي بالإسكندرية إلى أن نظر ملك النصرانية في ذلك واجتمعت الأساقفة وتشاوروا فيما يترك من هذا التعليم وما يبطل فرأوا أن يعلم من كتب الممطق إلى آخر الأشكال الوجودية ولا يعلم ما بعده لأنهم رأوا أن في ذلك ضررا على النصرانية وأن فيما أطلقوا تعليمه ما يستعان به على نصرة دينهم فبقي الظاهر من التعليم هذا المقدار وما ينظر فيه من الباقي مستورا إلى أن كان الإسلام بعده بمدة طويلة فانتقل التعليم من الإسكندرية إلى أنطاكية وبقي بها زمنا طويلا إلى أن بقي معلم واحد فتعلم منه رجلان وخرجا ومعهما الكتب فكان أحدهما من أهل حران والآخر من أهل مرو فأما الذي من أهل مرو